الاحوال الستة التي بين يدي الحكمين : - شرعي

شريط إخباري
معيار النزاع والشقاق  والاوصاف التي يكون فيها معتبرا….   **   صدر قرار استئنافي في ” المخالعة”   **   نأمر بإحالة الملف لنقابة المحامين.   **   صدور الأحكام بهيئة عضوين يحرم المستأنف من حقه في رأي الثالث   **   لم تَكن هناك امكانية لانضمام عضو ثالث لدى محكمه الاستئناف   **  

الاحوال الستة التي بين يدي الحكمين :

الحالة السادسة  : الاساءة من الزوجين 

بسم الله الرحمن الرحيم

محكمة الاستئناف الشرعية

القدس الشريف

استئناف رقم 184/2016

تفريق للنزاع والشقاق

أساس القدس – 6906\2015

أمام :

سماحة الرئيس القاضي عبد الحكيم صبحي سمارة

وسماحة القاضي زياد خالد لهواني

وسماحة القاضي محمد عبد الرحيم أبو عبيد

المستأنفة: —————

بواسطة وكيلها ………………….

المستأنف ضده : ————–

بواسطة وكيله …………..

قرار

الرئيس القاضي عبد الحكيم صبحي سماره:

امامنا استئناف على قرار محكمة الموضوع الصادر يوم 5\5\2016 والقاضي بالمصادقة على حكم الحكمين بالتفريق بين الطرفين واستحقاق المستأنفة نصف مهرها المؤجل، بعد ان حملا كل من الزوجين نسبة 52% من الذنب عن فشل الحياة الزوجية. حيث حصرت المستأنفة استئنافها في مسألة الحقوق فقط، مدعيةً أنّ حق الزوجة في المهر ثابت لها منذ يوم العقد، ولم يأتِ الحكمان بأيّ علّة لجرح استحقاقها فيه. وعليه فقد التمست قبول استئنافها،  وتضمين المستأنف ضده المصاريف والأتعاب. رد المستأنف ضده بلائحة جوابية، مُجملها أنّ القرار المستأنف موافق للأصول، وان التحكيم جرى وفق الأصول الشرعية والقانونية، وعليه فقد التمس

ردّ الاستئناف وتضمين صاحبته المصاريف والأتعاب. أما نحن، فقد نهجنا حتى يومنا هذا، اعتماد قرار مجلس التحكيم بالنسبة للمخالعة على المهر، وفقاً لنسبة ذنب كل واحد من الزوجين وترجمة تلك النسبة إلى مال، وذلك اعتماداً إلى قول ابن رشد في المقدمات الممهدات، الذي سنأتي على ذكره لاحقاً. إلا اننا نرى، العزوف عن هذا النهج وترسيخ نهج كنا قد نهجناه سابقاً في عدة قرارات لنا، إلا أننا لم نُرسخه ونجعله مبدأ على هداه وبموجبه تسير محاكمنا الشرعية. ووفقاً للمبدأ الجديد الذي سنعتمده، فإن المخالعة على المهر أو على جزء منه، ستكون فقط وبعد تحميل الزوجة كامل الذنب، وليس جزءا منه، حيث أنّ هذا هو الأصلح والأقرب الى العدل، ونفُصل: بدايةً، ولسبر غور المسألة، فلا بدّ لنا من العود الى تأصيلها الديني، القضائي وما جاء في القرارات الاستئنافية.

ديانةً:

إنّ ثبوت حق الزوجة بالمهر، جاء بموجب نص قرآني واضح النص والدلالة، وعليه الآية الرابعة من سورة النساء

}وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ، فان طبنَ لكم عن شيءٍ منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً{. ولقوله تعالى: }ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح  عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله فلا تعتدوها{)البقرة: 222 (. ولقوله أيضاً: }وان أردتم استبدال زوجٍ  مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بُهتاناً وإثماً مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى  بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظا{)النساء: 22 (. أما ما رواه البخاري عن عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” أحق ما وفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج” )أنظر صحيح البخاري مع الفتح .217\9), ومسلم ( 1035- 1306\2).

وتجدر الاشارة على أن المهر ليس حقا محضا للزوجة، بل هو مشتمل على حق لله تعالى وشرعه قبل أن يكون حقا للمرأة، وفي هذا أبلغ بيان لقدر المهر في ميزان الشريعة.  قال الباحث محمد يعقوب الدهلوي: ومن الأصول المؤكدة لوجوب الحقوق الزوجية، أن منها حقوقا مشتملة على حق الله وحق العبد كإيجاب المهر، ومنها ما هي حقوق خالصة للعبد، كحق النفقة، فما كان من الحقوق مشتملة على  حق الله،

فواضح أنها تتصف بوجوب أدائها، لاشتمالها على حق الله تعالى.)أنظر ضمانات حقوق المرأة الزوجية،  الفصل الأول، المبحث الأول، الضمان الأول ص 02 ، الناشر : عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية / أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى لسنة 1424 هجرية( وانظر )الموافقات للشاطبي، الجزء2,ص377 ) وأنظر )اسلام ويب، مركز الفتوى، فتوى رقم 174175 ، الحكمة من مشروعية مهر المرأة(.  وبما أن المهر من أهم الحقوق الزوجية المالية للمرأة، فإن الشريعة الإسلامية ضمنت هذا الحق لها بأوجه عدة، منها، منع نفي المهر في النكاح، فلا يجوز التنازل عن المهر وإسقاطه ابتداء، وإذا تم العقد من غير ذكر للمهر – وهو ما يسمى  بنكاح التفويض – صحَّ النكاح، وفُرض لها مهر المثل، وذلك لأن فرض المهر في عقد النكاح، حق مشترك بين الله  والعبد، وحق الله فيه غالب، فما كان حق الله فيه هو الغالب، لا يقبل الإسقاط والتنازل، لوجوبه شرعا . )ضمانات حقوق المرأة الزوجية، الفصل الثاني، المبحث الخامس، الضمان الحادي عشر،ص 100). معناه، أن إسقاط المهر والحطّ منه رُغماً عن المرأة من غير توفر ما يسقطه، يجعل الأمر حراماً. وعليه، فان غياب مسببات إسقاط المهر أو الحطّ منه، يبُقي الأمر على أصله، لا محالة، ألا وهو استحقاق الزوجة لمهرها. وأكثر من ذلك، فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الزنى لا يسقط مهر الزوجة ولا ينفسخ به عقد النكاح . جاء في المجموع للإمام النووي”:350\16) إذا تزوج رجل امرأه ودخل بها ثم افترقا لم ترجع إلى الزوج بشيء من المهر سواء كانت الفرقة من جهة الزوج أو من جهة الزوجة أو من جهتهما أو من جهة أجنبي، لان المهر قد استقر بالدخول فلم تؤثر الفرقة.

وقال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (320 \15): وَلَا يَسْقُطَ الْمُهْرُ بِمُجَرَّدِ زِنَاهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُلَاعِنِ لَمَّا قَالَ : مَاليِ قَالَ :” لَا مَالَ لَك عِنْدَهَا إنْ كُنْت صَادِقًا عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا  وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لكَ ” ؛ لأنها إذا زنت قد تتوب، لكن زناها يبيح له إعضالها، حتى تفتدي منه نفسها  إن اختارت فراقه أو تتوب”.

قضاءً:

أما الأصل القانوني لحق الزوجة بالمهر، هي الماد 130 من قانون قرار حقوق العائلة، التي نصت على:” اذا ظهر بين الزوجين نزاع وشقاق وراجع احدهما الحاكم

استئناف رقم 148\2016

يعين حكما من أهل الزوج وحكما من أهل الزوجة واذا لم يجد حكما  من أهليهما او وجد ولكن لم يتوفر فيهما الأوصاف اللازمة يعين من غير أهليهما من يراه مناسبا فالمجلس العائلي الذي تألف على هذه الصورة يصغي إلى شكاوي الطرفين ومدافعاتهما ويدقق فيها ويبذل جهده لإصلاح ذات بينهما فاذا لم يمكن الاصلاح وكان الذنب على الزوج يفرق بينهما، وإذا كان على الزوجة يخالعها على كامل المهر أو على قسم منه فاذا لم يتفق الحكمان يعين الحاكم هيئة تحكيمية اخرى من أهليهما حائزة للأوصاف اللازمة او حكما ثالثا من غير أهليهما ويكون حكم هؤلاء قطعيا وغير قابل للاعتراض”. وبالتمعن في هذا النص، فإننا نرى عدم ذكر المهر في حالة وقوع الذنب على الزوج، بينما في حال كان الذنب على الزوجة، فقد تمّ التعرض له. وان في ذلك  حكمة، ولم يقع الأمر سهواً ولا عبثاً، حيث أن المخالعة على المهر تكون في حال وجدت الزوجة مذنبةً، أما إن كان الزوج هو المذنب، فإن حق الزوجة بالمهر ثابت. فضلاً عن ذلك، فإن كلمة “الذنب” جاءت للتعميم لا للتخصيص، لأنها مفردة معرفة بأل المفيدة للاستغراق غير مخصصة وغير مقيدة، مما يُفيد أن مسألة المهر تتعلق بكل الذنب وعمومه، بحيث لو كان على الزوج، فإن مسألة المهر لم تُطرح، كونه حق ثابت للزوجة. وأما إن كان كل الذنب على الزوجة، فحينها يتمّ مخالعتها على المهر كُلاً أو جزءاً. )أنظر استئناف رقم 82\2011) وفي هذا السياق قال الدكتور وهبة الزحيلي: “الحكمة من وجوب المهر هو إظهار خطر هذا العقد ومكانته، وإعزاز المرأة وإكرامها، وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة معها، وتوفير حسن النية على قصد معاشرتها بالمعروف، ودوام الزواج. وفيه تمكين المرأة من التهيؤ للزواج بما يلزم لها من لباس ونفقة”. (أنظر الفقه الإسلامي وأدلته، ,ج9ص 7063 –دار الفكر 1997) (التشديد لنا – ع.سماره ) أما الدكتور محمد بشير الشقفة فقال:” فإن تحققا )أي الحكمان ع. سماره( أن الضرر من الزوج، وأنه هو الناشز ولا يريد البقاء معها، طلقاها عليه بلا عوض إن لم ترض بالمقام معه، فإن رضيت بالمقام معه فلا يحكمان بالطلاق، والعصمة بيده، وإن أراد إمساكها، وأبت، حكما بالطلاق بلا عوض كما ذكرنا، لأن الإساءة منه. وإن تحققا أن النشوز من الزوجة، وأن المخالفة منها، وأحب المخالعة، وسئمت نفسه منها، خالعاها له بما يريانه مناسباً للطرفين، ولو بأزيد من مهرها…. وأما إن تبين لهما أن الإساءة منهما جميعاً فكان كل منهما يضر بصاحبه، تعين الطلاق بلا خلع عند الأكثر إذا لم ترض بالمقام معه. كما أفاد الدردير والصاوي”. )التشديد لنا ع. سماره) )أنظر الفقه المالكي في ثوبه الجديد , الجزء الثالثص 638-دار القلم(أما ما أفاد به الدردير والصاوي، فكان:”(وطلقا) بما فيه المصلحة فيطلقان (بلا خُلع) أي بلا مال يأخذانه منها للزوج )إن أساء( الزوج أي إن كانت الاساءة منه، )وبه( أي بالخلع )إن كانت أساءت( أي كانت الإساءة منها. )أو يأتمناه عليها( بلا طلاق، بأن يأمراه بالصبر عليها وعدم معاملتها بالضرر الواقع منها إن اقتضى النظر والمصلحةذلك. )وإن أساءا معاً( أي كان كل منهما يضر بصاحبه )تعيّن( الطلاق بلا خلع عند الأكثر إذا لم ترض بالمقام معه”. )التشديد لنا ع. سماره( )أنظر الشرح الصغير، الجزء الثاني ص 514- دار المعارف) أما التشريعات الاسلامية فقد تعرضت لهذه المسألة أيضاً، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، قانون الأحوال الشخصية الأردني لسنة 1976 والمعدل عام 2001 , حيث جاء في البند )ه( المادة 132  منه: ” إذا عجز الحكمان عن الإصلاح وظهر لهما أن الإساءة جميعها من الزوجة قررا التفريق بينهما على العوض الذي يريانه على ألا يقل عن المهر وتوابعه …” )التشديد- لنا ع. سماره(

وفي المادة الثلاثين بعد المائة من قانون الأحوال الشخصية الكويتي جاء أيضاً، أن المخالعة على المهر تكون في حال كانت الاساءة كلها من الزوجة. وأما ان كانت الاساءة مشتركة فلا تُخالع الزوجة على مهرها، أو تُخالع مع ما  يتناسب مع الاساءة. وان لم يعرف المسيء من الزوجين، فالتفريق يكون دون عوض. وهو ما نصته عليه أيضاً المادة  العاشرة من القانون المصري رقم 25 لسنة 1929  المعدل بالقانون رقم 100لسنة 1985 .

اما المادة 107  من قانون الأحوال الشخصية في سلطنة عمان، فنصت على:” إذا حكم القاضي بتطليق المدخول  بها، للضرر أو الشقاق، فإن كانت الاساءة كلها أو أكثرها من الزوجة سقط صداقها المؤجل وحدد القاضي ما يجب أن تعيده إلى الزوج من الصداق المقبوض، وان كانت الاساءة كلها أو أكثرها من الزوج بقي الصداق من حق الزوجة”.  تجدر الاشارة هنا، إلى أن القانون العماني حتى بعد اسقاط المهر المؤجل بسبب إساءة الزوجة، فانه ترك مسألة . اعادة المهر المعجل لتقدير القاضي على الرغم من تحميل الزوجة الاساءة كلها أو أكثرها.

قرارات استئنافية:

أما قراراتنا المتعلقة بالمهر فقد جاءت موافقة لما جاء أعلاه، إلا أن هذا التوجه لم يكن مرسخاً، لا بل قُل لم يكن  المبدأ المعمول به، بل أن الأمر تُرك لتقدير الحكمين، وفقاً لقول ابن رشد في المقدمات الممهدات:” وحكم الحكمين بين  الزوجين لا إعذار فيه إلى أحدهما، لأنهما لا يحكمان بالشهادة القاطعة، وإنما يحكمان بما خلص إليهما من علم أحوالهما بعد النظر والكشف ” )الطبعة الأولى عام 2002 الجزء الأول،ص295) هذا، وقد ورد في المذكرة الايضاحية لقانون حقوق العائلة : “فحُكم الحَكمين لازم على الزوجين، ولا يُقبل لهما بعده اعتراض ابداً، لأن هذا الحكم غير مستند على الشهادة ، بل على طمأنينة النفس المستفادة من النظر في أحوال الزوجية”.) المجلة معها قرار حقوق العائلة، ترجمة محمد شاكر، دار ابن حزم، الطبعة الاولى “2004” ,ص516). من هنا، فإن توجه محاكمنا الشرعية كان عادةً عدم التدخل في حكم الحكمين ما دام قد وافق الأصول ولم يكن  هناك مسوّغ لنقضه أو تعديله، إلا أننا وفي عدة قرارات لنا، كنا قد حكمنا للزوجة بكامل المهر رغم مخالعتها عليه  أو على جزء منه من قبل الحكمين، بعد تحميلها جزءا من الذنب أو حتى نصفه، وذلك عملاً بالأصل ألا وهو حقها  الثابت بالمهر. حيث قلنا:” ان المسألة الخِلافية هي ما إذا صح الحكم للزوجة بكامل مهرها، بعد أن قال الحكمان ان الزوجين يتقاسمان الذنب مناصفةً. ونحن نرى أن تعيين جهة الابطال من قبل مجلس التحكيم ينبغي أن يكون مبنياً على بُنية وقائعية صلبة، بحيث تكون هناك وقائع تسبب بها كل منهما، يتبيّنها مجلس الحكم، ويزن تبعاتها، ثم يدلي  بحكمه مقدّراً حجم هذه التبعات في بناء النزاع والشقاق فيترجمها إلى مالٍ في حدود مهر الزوجة. أما مجرد القول  العام ان الزوجة تشارك زوجها في الذنب، فهذا قول عام لا يُعوّل عليه. هذا، ولما كان الأصل هو استحقاق الزوجة المدخول بها كامل مهرها، حيث لا يخلو الوقاع من عُقرٍ أو عَقر، وحيث أن مهر الزوجة انما اثر واجبٌ من آثار النكاح، وجب بموجب نص قرآني واضح النص والدلالة، لقوله تعالى: )وآتوا النساء صدقاتهن نحِلة، فان طبنَ لكم  عن شيءٍ منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً )5(3), ولقوله أيضاً: ) ولا يحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ..) (229), وقال أيضاً: )وان أردتم استبدال زوجٍ مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بُهتاناً وإثماً مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظا( 4(19) معناه، أن إسقاط المهر والحطّ منه رُغماًعن المرأة من غير توفر ما يسقطه، يجعل الأمر حراماً. وعليه فان غياب مسببات إسقاط المهر أو الحطّ منه، يُبقي الأمر على الأصل لا محالة، وهو استحقاق الزوجة لمهرها. لذا، فطالما لم يبين مجلس التحكيم ما هي الوقائع التي اعتبرتها ذنباً بحق الزوجة، فان قوله هذا لا  يقوى على أن يقف أمام الأصل وهو حقها في مهرها بموجب أمر الله في كتابه العزيز.” ( أنظر استئناف رقم 139\2002,104\2016) وجاء في قرارنا المرقوم 76و81\2000:” لا خلاف على أن الحكم للزوجة بكامل مهرها، انما يكون في حال  غياب اشتراكها في التسبب في المنازعة التي أدت في محصلتها النهائية الى التفريق، وان عدم تفصيل ذنبها لا يصلح لأن  يكون أساساً لحرمانها من حقها الثابت في كتاب الله في مهرٍ هو أثر من آثار العقد، فالقول بأنهما مذنبان مناصفة لا يُبنى عليه حكم، لذا فقد أحسنت محكمة البداية مذهباً حين حكمت لها بالمهر كاملاً”.  وأما في القرار الاستئنافي رقم 165\2000 فقلنا،  اعتماداً لقول الدكتور الزحيلي المذكور أعلاه: “الحقيقة هي أن  جلّ الذنب مساوٍ لكله من حيث عدم إسقاط حق الزوجة في المهر، وذلك لأن الزوج ما دام مذنباً بقدر غالب الذنب المؤدي الى تدهور أحوال الزوجية الى أن بلغت التفريق، فانه مكلف بأداء كامل مهر الزوجة على الغالب،  خاصة وأنه ليس من سبب مشروع يدعو لإسقاط حقها فيه. وقد ذهب البعض الى أكثر من ذلك فقالوا إن  الإساءة حتى لو كانت مشتركة فان للزوجة مهرها (أنظر: الزحيلي وهبه، الفقه الإسلامي وأدلته، ج؟ص7063- دار الفكر 1997-وكذلك حاشية الخرشي لدى  الإمام أبو زهرة، الأحوال الشخصية، ص 425 , دار الفكر , 1957 ) . (التشديد لنا –ع.سماره )  وفي الاستئناف المرقوم 103\2004  ، قيل:” … ذلك لأن المهر المؤجل انما هو دين للزوجة في ذمة الزوج إلى أجل  مسمى أو غير مسمى، وهو بذلك لا يسقط إلا بأحد موجبات اسقاطه أو بإرادتها الطوعية الحرة. فان لم يتبين للحكمين أنها مذنبة ليحملاه بعض مهرها أو كله، فإن لها مهرها عليه أي أن الأصل هو حقها في مهرها. بمعنى أن المعيار ينبغي أن يكون ما إذا كانت الزوجة مذنبة كلاً أو جزءاً، لا ما إذا كان هو المذنب، لأنها لو كانت مذنبة  بعض الذنب أو كله لانتقص المجلس ما يقابل قدر هذا الذنب مما لها عليه من المهر، أما إنْ لم تكن كتلك، فإن الأصل هو أن مهرها الذي تنشغل ذمة الزوج به يبقى حقاً لها في ذمته بمعنى أنه حتى لو لم يكن الزوج مذنباً، ولم تكن هي أيضاً كذلك فمع أنهما متساويان في غياب الذنب، إلا أن لها أفضلية لأن مهرها في ذمته دَيْن ثابت لها. ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتبر مجرد عدم كونه مذنباً سبباً في ضياع مهرها الثابت لها عليه بحكم كتاب الله في قوله تعالى:  “وآتوا النساء صدقاتهن نحلة”؟!. لذا، فإن عدم كون الزوجة مذنبة لوحده كافٍ للحكم على الزوج بمؤخرمهرها الذي في ذمته لانعدام ما يسقطه أو ينقص منه”. وفي هذا السياق عدنا وقلنا:” إنّ المهر حقّ ثابتٌ للزوجة على زوجها في الكتاب والسنّة، وأنه لا يجوز مخالعتها عليه  أو على جزء منه إلا بمسوّغ شرعيّ أو برضاها التام، معناه أنه إنْ جهل الحال وتعذّر على الحكمين معرفة المحقّ من  الزوجين من المذنب وكانا متكافئين في غياب الذنب، فإنه يصار إلى الأصل أيضاً، وهو حقّ الزوجة في المهر كلّه من  غير نقصان”)أنظر استئناف رقم 144\2006, 100\2009, 471\2012 وغيرها). عليه، فإننا نُقرر من اليوم فصاعداً ترسيخ هذا المبدأ كمبدأ أساس في تعاملنا مع القضايا المتعلقة بالمهور، بحيث  تكون المخالعة على المهر فقط في حال تمّ تذنيب الزوجة بكامل الذنب، لا بجزء منه أو بنصفه، وإلا فإن حقها بالمهر  يكون كاملاً اعتماداً لما بيناه وفصلناه أعلاه.  وبالعود الى الحال المطروح أمامنا، ولما كانت مخالعة المستأنفة على نصف مهرها المؤجل بسبب تحميلها نصف نسبة الذنب عن دهورة الحياة الزوجية، فإننا نُقرر قبول استئنافها، وتعديل شق القرار المتعلق بالحكم لها بنصف المهر  المؤجل، بحيث نحكم لها بكامله اعتماداً للمبدأ الذي تبنيناه وفصلناه أعلاه، والذي على هداه ستسير محاكمنا الشرعية، من اليوم فصاعداً. هذا ولا حكم بمصاريف في ظروف الحال.

رئيس المحكمة

القاضي عبد الحكيم صبحي سماره

القاضي محمد عبد الرحيم أبو عبيد:

أوافق ما بلغه زميلي سماحة الرئيس القاضي عبد الحكيم سماره من حكم ومن تعليل وأضيف،  أنّ المادة 130 لقانون قرار حقوق العائلة، يستنبط منها ثلاث حالات، أما الأولى، فإن كان الذنب كله على الزوج، فإنه يفرق بينهما، أي أنه لا مساس في حقوق الزوجة أو مهرها. وعندي: أن للحكمين في هذه الحالة، أن يحكما حكومة للزوجة بقدر الإساءة التي يريانها منه. وأما الثانية فهي: أن يكون الذنب كله على الزوجة، فهنا يخالعانها على كامل المهر  أو على قسم منه، وهذا راجع لنظرهما ورأيهما، لأنهما لا يحكمان في ذلك بالبينة القاطعة، ومعناه والله أعلم، أنّ الشارع جعل لهما أن يستندا لعلمهما فيما حكما به، فليسا بشاهدين بما علما حتى يعذر فيهما وإلا فكل شاهد  انما يشهد بما خلص اليه من امر المشهود به. والحالة الثالثة، وهي عندما يشترك الطرفان في الذنب، فما الحكم في ذلك؟ وهنا لم يُنص ذلك في المادة 130 صراحةً، إلا أنه يفهم ضمناً أنه في حال المشاركة في الذنب يبقى الأصل  علىما هو، وهو بقاء المهر الثابت دون أن تخالع الزوجة على أي قسطٍ منه. ونفسر ما اقتبسه زميلي سماحة القاضي عبد الحكيم سمارة من أقوال الدكتور محمد بشير الشقفة :

” فإن تحققا أن الضرر من الزوج، وأنه هو الناشز ولا يريد البقاء معها، طلقاها عليه بلا عوض إن لم  ترض بالمقام معه، فإن رضيت بالمقام معه فلا يحكمان بالطلاق، والعصمة بيده، وإن أراد إمساكها،  وأبت، حكما بالطلاق بلا عوض كما ذكرنا، لأن الإساءة منه.  وإن تحققا أن النشوز من الزوجة، وأن المخالفة منها، وأحب المخالعة، وسئمت نفسه منها، خالعاها له بما يريانه مناسباً للطرفين، ولو بأزيد من مهرها….- وأما إن تبين لهما أن الإساءة منهما جميعاً فكان كل منهما يضر بصاحبه، تعين الطلاق بلا خلع عند الأكثر إذا لم ترض بالمقام معه.” فنقول هناك ست حالات تستنبط من هذا وهي ما عليه المادة 130 لقرار حقوق العائلة

الحالة الأولى : الإساءة أو الضرر من الرجل )الزوج(، وأنه لا يريد البقاء معها وهو ناشز، فإن لم ترضَ الزوجة بالمقام  معه طلقاها عليه بلا عوض معناه أوقعا الطلاق بينهما وبقي المهر لها، وليس لهما أن يحكما على الزوج بعوض  زيادة على المهر.

الحالة الثانية: الإساءة أو الضرر من الرجل )الزوج( وهو ناشز، أما هي أي الزوجة، فقد رضيت بالمقام معه، فلا يوقعان الطلاق هنا، فالعصمة بيده إن أرادها هو أبقاها، وإن أراد طلقها بما ترتب على ذلك من حقوق لها بعد الطلاق.

الحالة الثالثة: الإساءة أو الضرر من الرجل )الزوج( وهو ناشز، إلا أنه يريد البقاء معها، وهي ترفض المقام معه، حكما بالطلاق بلا عوض وبقي المهر لها كاملاً، وليس لهما أن يحكما على الزوج بعوض زيادة على المهر.

الحالة الرابعة : إنْ تحققا أن النشوز من الزوجة والمخالفة منها، وأن الزوج لا يريدها وسئمت نفسه منها، خالعاها له  بما يريانه مناسباً للطرفين لو بأزيد من مهرها، أي لهما أن يخالعاها على كامل المهر أو قسط منه أو بأكثر منه.

الحالة الخامسة : إن تحققا أن النشوز من الزوجة والمخالفة منها، إلا أنّ الزوج يريدها ولا يريد مخالعتها وأراد إبقاءها زوجة، ائتمناه عليها، وأوصياه بها خيراً، وأن يصبر على إيذائها، فلا كلام للحكمين هنا إلا التوصية بها. وإن فرقا بينهما، فالأمر عائد إلى القاضي في إنفاذ حكمهما أم لا. 

الحالة السادسة : إن تبين للحكمين أنّ الإساءة منهما جميعاً، فكان كل واحد منهما يضر بصاحبه، وهنا يتعين  الطلاق بلا خلع إذا لم ترضَ الزوجة بالمقام معه، أي يطلقانهما دون المساس بمهرها.

هذا التفصيل كما ذكرنا، يبين الطريق التي على الحكمين سلوكها عندما يفصلان بين الزوجين، وعندما يقرران الإساءة، وإن حادا عن ذلك، فللمحكمة أن تتدخل في النتيجة لا في الطريق التي وصلا إليها طالما حفظت ضمانات  العدالة الاساسية، كما ذكرنا لأنهما لا يحكمان بالبينة القاطعة في ذلك. وهذا رأيي إلى العدل أقرب، وأضيف تعليلاً وشرحاً في ذلك فأقول: إنّ نص المادة 130  وهذا رأيي إلى العدل أقرب، وأضيف تعليلاً وشرحاً في ذلك فأقول: إنّ نص المادة  واضح، حيث جعل الفرقة حين يكون الذنب على الزوج ، معناه أنّ المشرّع عاقب الزوج على ذنبه، بأن فرّق عنه  زوجته بالطلاق ولو بغير ارادته، وألزمه بالعوض زيادة على المهر كما ذكرت، وقد اهملت المادة ذكر المهر، حيث أنه  ثابت للزوجة عند حلول أقرب الأجلين وهنا الطلاق، والمهر ليس مدار بحث عندما يكون الزوج مذنباً. فلو فرضنا أن كلا الزوجين قد أذنب بقدر متساوٍ، فلا يفهم ولا مجال للفهم او التأويل من نص المادة أنه يجب الحطّ  من المهر بقدر نسبة الذنب. هب مثلاً أن الزوجة أذنبت نصف الذنب وتمّ الحطّ هنا من نصف مهرها عقوبة لها  على ذنبها، والزوج أذنب النصف الآخر فأيّ عقوبة فرضت عليه لذنبه هذا؟! الجواب لا شيء. أي أنه رُغمَ  ذنبه، فإنه لا يعاقب على ذلك بخلاف ما جرى سابقا بأن يحمل كل قدر ذنبه فقد حملت المرأة وحدها قدر ذنبها  ولم يحمل الرجل شيئا بل خفف عنه المهر رغم ذنبه، اي وهبنا له نصف مهر الزوجة الثابت لها رغم تساوي الطرفين في الذنب. واوقعنا العقوبة على الزوجة، وكافئنا الزوج رغم مساواته لها بالذنب. وإن كنا سنعمل وفق مبدأ نسبة الذنب ذلك، فالأصل أنّ الزوجة مستحقة بدايةً إلى نسبة 00 % من مهرها، وتخالع على النصف الآخر، فنأتي إلى  النصف المتبقي، وحيث أنهما اشتركا في الذنب مناصفةً فيكون ذنبها في نصف النصف، وبذلك تكون مستحقة لثلاثة أرباع المهر. ثم نعود إلى الربع الأخير، فالزوج بسبب نصف ذنب الزوجة وهبنا له من مالها (مهرها الثابت  الربع. إلا أننا لم نهب الزوجة بدل ذنب الزوج شيئاً من ماله. والأصل أنه نهبها بنفس القدر، وبذلك يعود هذا  الربع لها عند الاشتراك بالذنب. لا خلاف أن مهر الزوجة هو مالها، ولها أن تقبضه حين العقد أو أن تؤخره إلى أجلٍ مسمى، وإذا لم يسمَّ الأجل  فيحين عند أقرب الأجلين، إما الوفاة وإما الطلاق. وهو اي المهر ليس ضمانا لحسن سلوك الزوجة خلال الحياة الزوجية يحجزه الزوج عنده، فإن أحسنت

سلمها إياه، وإن أساءت حرمها منه ومنعها. وشرعنا لا يقبل الظلم، وروح المادة 130 تتماشى أيضاً مع هذا المنطق الرياضي السليم. وعليه، فإنني إذ أتفق مع زميلي في قبول الاستئناف، وتعديل الحكم، والحكم للزوجة )المستأنفة( بكامل مهرها.

عضو المحكمة

القاضي محمد عبد الرحيم أبو عبيد

القاضي زياد خالد لهواني:

أوافق زميليّ الفاضلين فيما ذهبا إليه من بيان وتفصيل للمادة (130 وفي استنباط الحالات الستة المستوعبة فيها لغرض التفريق والحقوق. وحيث أنّ هذا القرار المفصّل سيشكل عمدةً ومنهاجاً في دعاوى التحكيم، فإنني ولإتمام الصورة، أرى التطرق إلى أمرين لم يردا في رأيي زميليّ. أما الأول فهو متعلق بحالتين من الحالات الستة التي وردت في رأي سماحة القاضي محمد أبو عبيد، فأقول : إن المادة(130) قد نصّت على مخالعة الزوجة على مهرها أو جزئه في حالةٍ واحدة فقط، وهي تلك التي تكون الزوجة فيها متحملةً للذنب كله. ويشترط لذلك أنّ الزوج لا يرغب بالمقام معها، لأنه لو رغب بها رغم إساءتها الزوجة فيها متحملةً للذنب كله. ويشترط لذلك أنّ الزوج لا يرغب بالمقام معها، لأنه لو رغب بها رغم إساءتها الحالة التي تكون فيها الإساءة من الزوج والتي ترغب فيها الزوجة بالمقام معه رغم إساءته وذنبه، في هذه الحالة ليس للحكمين التفريق أيضاً، لأن الزوج يملك حقّ العصمة وباستطاعته إيقاع الطلاق مباشرة. وإنْ حكما، فالأمر للقاضي في إنفاذ حكمهما من عدمه. وإنني لأرى أنّ في كلا الحالتين إشكال، قد يفقد مؤسسة التحكيم من  مضمونها ويفوّت على الحكمين والمحكمة صلاحيتها بمجرد قول أو تصريح من الزوج أو الزوجة بأنه/ا يرغب بالمقام  معه/ا رغم إساءته/ا ، كما أنه قد يحسم دعوى التحكيم برمتها بمجرد قول يقوله أحد الزوجين عند نهاية خط المواجهة بهدف التهرب من الحكم بالتفريق و/أو الحقوق. ولإزالة هذا الإشكال لا بدّ لنا من أن نخُضع موقف /قول/تصريح الزوجين ورغبته بالمقام مع صاحبه رغم إساءته  لأحكام التعسف والكيديةّ، بحيث لو تبيّن أن هذا الموقف مشوبٌ بالكيدية والتعسف، أهملته المحكمة ولم تأخذ به. فلو تبيّن، على سبيل المثال، أنّ زوجةً تحملت كامل الذنب والمسؤولية، أيؤخذ بموقف الزوج المدعي بأنه يرضى بالمقام معها، وهو صاحب الدعوى، ليمنع التفريق ويدعها كالمعلقة عقاباً لها؟ ولو تبين، من ناحية أخرى أن زوجاً تحمل كاملالذنب والمسؤولية، أيؤخذ بموقف الزوجة وهي صاحبة الدعوى، بأنها ترضى بالمقام معه، لتستمر في قبض النفقة؟ لا بدّ إذن من زنة موقف أحد الزوجين بالبقاء مع صاحبه، بعد تبيُن جهة الذنب والمسؤولية، في ميزان التعسف والكيدية، لأن ترك الموقف على إطلاقه سيفضي حتماً إلى كيدية وتعسف في مواقف الزوجين بعد أن تسفر عملية التحكيم عن إدانة أحدهما بالذنب والمسؤولية. ولا بدّ هنا للقاضي من التحقق من هذا الأمر قبل إصدار حكمه. جاء في قرار استئنافي 69\95  أن على القاضي أن يميز الحالات الحقيقية من الحالات الكيدية.  إن مطلب حسن النية في التقاضي لا ينحصر في تقديم الدعوى فحسب، بل إنه مطلب لازم في الإجراءات القضائية من ألفها إلى يائها. وعلى القاضي زنتها في كل إجراء وفي كل مرحلة من مراحل التقاضي، حتى إذا ما استبدلت بالكيدية والتعسف وسوء النية كان لزاماً على القاضي أن يبدي في ذلك رأيه.

وأما الثاني- فمتعلق بآلية عمل الحكمين ودور القاضي إزاء تقريرهما. إن دور الحكمين يتمثل في محاولة الإصلاح،  فإن تعذر، وجب عليهما البحث والتحري بالسبل المتاحة لهما، دون تقييد لأحكام البينات، عن المحق من المبطل من الزوجين، وأن يحكما وفق ما استقرّ لديهما، فهما يحكمان ” بما خلص إليهما من علم أحوالهما بعد النظر والكشف “(ابن رشد المقدمات الممهدات ) ,” وحكمهما غير مستند على الشهادة، بل على طمأنينة النفس المستفادة من النظر في أحوال الزوجية” )المجلة معها قرار حقوق العائلة، ترجمة محمد شاكر(.ولكن، هل معنى ذلك أن يحكم الحكمان بما بدر لهما؟ أقول إن تحرر الحكمين من قيود البينات، ووصولهما إلى أية نتيجة قد يصلانها لغرض التذنيب من خلال النظر والكشف وطمأنينة النفس، إنما ينحصر في جانب الوقائع التي تجتمع لديهما من خلال عملهما، ويكون دور القاضي في هذا الجانب من تقريرهما محصوراً في الرقابة على تطبيق أسس العدل الطبيعي. أما جانب الحكم، فإنه خاضع لتقدير القاضي لا محالة. وكنا قد تناولنا هذه المسألة في قرارنا رقم 96\2016 حيث قلنا ” لا يستساغ أن يقتصر دور القاضي على إمضاء حكم الحكمين في كلّ حال، دون تفعيل رقابته على الحكم”. وحكم الحكمين، كما ترى، لا يخرج عن الحالات الستة المذكورة، وحيث أن لكل حالةٍ حكم، فإن القاضي  سيصادق على الحكم الذي يتفق ويتسق مع حالته، وسينقض الحكم الذي يتعارض مع حالته. فلو أنّ الحكمين قرّرا  على سبيل المثال، أنّ الإساءة من الزوج، وكلا الزوجين لا يرضى بالمقام مع صاحبه ( الحالة الأولى ) , فإنّ الحكم المترتب علىهذه الحالة ينبغي أن يكون التفريق والحكم للزوجة بكامل المهر، فإنْ جاء الحكم كذلك صدّقه القاضي، وإن جاء الحكمان بحكمٍ بالمخالعة، بتعليل أن الزوجة ترفض المقام مع زوجها، لجانبا الصواب وخالفا الحقّ، ويجب على القاضي حينها نقض حكمهما.  إنّ نقض القاضي لحكم الحكمين لا يمنحه صلاحية الحكم بالحقوق مباشرةً، لأنّ أمر التحكيم كله منوطٌ بالحكمين، فهما اللذان يحكمان، والقاضي إما أن يصادق وإما أن ينقض. لذا، فإنّ القاضي حين ينقض حكماً للحكمين لمخالفته للحالات الستة المذكورة، فإنه سيقوم بإعادة الأمر إلى الحكمين مع توجيهاتٍ لتعديل الحكم ليتفق مع الحالة التي توصلا إليها بعد الكشف والتحري. وبعد تقديم الحكم المعدّل سيصادقه القاضي. وهذا الذي نقول هو صلب قول السادة المالكية (مرجعية المادة 130 ) في أن الحكمين حاكمين وليسا وكيلين، وأنّ حكمهما نافذ ما لم يخالف لأصول ( حاشية الدسوقي ص212 ). وهو بالإضافة إلى ذلك، صلب قول ابن رشد في المقدمات الممهدات من أنّ الحكمين يحكمان ( التشديد لي –ز.ل) بما خلصا إليهما من علم أحوالهما بعد النظر والكشف.والقول بأنّ حكم الحكمين )التشديد لي –ز.ل)  لازم على الزوجين ولا يقبل لهما بعده اعتراض أبداً، لأنّ الحكم غير مستند على الشهادة بل على طمأنينة النفس المستفادة من النظر في أحوال الزوجية )ترجمة محمد شاكر(. وهو كذلك قول العلامة رستم باز وعلي حيدر في شرحيهما للمادة 1849 مجلة , وبيانهما لدور القاضي إزاء حكم الحكمين  دور القاضي إذن، مقيّد بين المصادقة وبين النقض، ولا يتعدّاه لإنشاء حكم جديد ( استئناف رق4م 28\2011), فإن نقض الحكم أعاد الأمر إلى موطن إنشاء الحكم، الحكمين، ليحكما وفق توجيهه، بحيث يأتي الحكم بالحقوق/ التفريق متسقاً ومطابقاً للحالة المقابلة من الحالات الست المذكورة.  لكل ما تقدّم فإنني أتفق مع زميليّ في قبول هذا الاستئناف، بحيث أحكم للمستأنفة بكامل مهرها.

عضو المحكمة

القاضي زياد خالد لهواني

عليه، فقد تقرر بالإجماع، قبول هذا الاستئناف، وتعديل شق القرار المتعلق بالحقوق، والحكم للمستأنفة بكامل مهرها. هذا ولا حكم بمصاريف في ظروف الحال.   كما ونأذن بنشر هذا القرار بعد شطب التفاصيل الشخصية .

تحريراً في الثالث من صفر لعام 1438 ه.وفق 3\11\2016م.

عضو المحكمة                              عضو المحكمة            رئيس المحكمة

القاضي محمد عبد الرحيم ابو عبيد      القاضي زياد خالد لهواني         القاضي      عبدالحكميم صبحي سماره

 

 
انتباه : لا تعتبر المادة المنشورة في الموقع ولا بأي حال من الاحوال مادة استشارية قضائية ولن تكون المادة بديلاً للأستشارة القانونية والقضائية ...... كل من يستعمل المواد المنشورة في الموقع بأي طريقة فالمسؤولية كلها تقع على مستعملها ولا تكون لأدارة الموقع اي مسؤولية ولا بأي شكل من الاشكال